شادي الشرفا (*)

جاء الشتاء بما يحمله من خير وعطاء على أمتنا بشكل عام ومزارعيه بشكل خاص، لكن هذه النعمة تحوّلت إلى نقمة عن الأسرى الذين يتم اعتقالهم هذه الأوقات، فأحد أبشع وسائل التعذيب الذي يستخدمها جهاز الشاباك الإجرامي هو سلاح البرد بحق المعتقلين خاصة في معتقلي تحقيق” المسكوبية وبيت حتكفا” سيئا الصيت والسمعة.

وأشير هنا إلى نتائج الدراسة التي أعدتها اللجنة الإعلامية التابعة لمنظمة الجبهة الشعبية في سجون الاحتلال حيث تم توثيق تجارب الأسرى الجدد خلال الفترة الأخيرة، وقد أكدت شهادات أكثر من 90% من الأسرى أن من أقسى وسائل التعذيب التي تعرض لها كانت استخدام البرد كسلاح ووسيلة تعذيب ممنهجة بهدف إجبار المعتقلين على الاعتراف.

وقد أعادت إلى ذهني هذه الدراسة التي أجراها صفوة من أسرى الجبهة الشعبية الموزعين على كافة السجون صورة الشهيد الرفيق القائد مصطفى العكاوي من القدس المحتلة والذي استشهد في شباط 1992 كنتاج للتعذيب وخاصة الشبح في البرد القارص لساعات طويلة.

ومعاناة البرد تبدأ عبر سلسلة من المراحل المدروسة بعناية والتي تعد من أخطر أساليب التعذيب الممنهجة بمقياس التعذيب النفسي والجسدي، ونورد هذه المراحل على النحو التالي:

  • المرحلة الأولى:

تبدأ هذه المرحلة باقتياد المعتقلين إلى معسكرات الجيش المختلفة مثل معسكر حوارة في نابلس أو الجلمة وغيرها، وهناك يتركون لساعات طويلة مقيدين في العراء تحت المطر والبرد، كما سُجلت عدة حالات اعتداءات وإهانة من جنود ضد الأسرى داخل هذه المعتقلات.

  • المرحلة الثانية:

ثم تأتي المرحلة الثانية حيث يدخل الأسير مراكز التحقيق وهناك يتم إجباره على خلع كامل ملابسه بحجة التفتيش ويتم استبدالها بملابس “الشاباص” البنية وهي عبارة عن بنطلون وقميص لا يجديان أي نفعاً بالبرد، ولا يقي الجسد من البرودة التي تنخر في العظم.

  • المرحلة الثالثة:

وتكون هذه المرحلة خلال التحقيق حيث يقيد الأسير بأرجله ويداه إلى الخلف على كرسي خشبي صغير لساعات طويلة وعادة لأيام على ذات الكرسي، ويتم تشغيل المكيفات طوال هذه الفترة القاسية من التحقيق والاستجواب مما يتسبب بمعاناة لا يمكن وصفها.

  • المرحلة الرابعة:

أما هذه المرحلة فهي زنازين التحقيق حيث يعود الأسير المنهك من التحقيق المستمر إلى الزنزانة متمنياً سويعات قصيرة من الراحة والنوم قبل جولة تحقيق جديدة، لكن مستحيل النوم بسبب تشغيل المكيفات داخل هذه الزنازين وفي فصل الشتاء حيث الجو بارد أصلاً، وفي أحسن الأحوال يتم إعطاء الأسير بطانية خفيفة بالكاد تصلح، وعادة تكون وسخة ورطبة مما يصعب استخدامها.

إن هذه الوسائل من التعذيب ليست بالجديدة، فلطالما استخدمت أجهزة الشاباك الصهيونية أساليب التحقيق غير الإنسانية والخارجة عن القانون الدولي والإنساني، لكن الأمر غير الأخلاقي هو إهمال المؤسسات الحقوقية لهذه الظاهرة خاصة مؤسسة الصليب الأحمر الدولي التي لا تحرك ساكناً لعلاج هذه المعضلة، ناهيك عن تجاهل المحامين الذين يزورون الأسرى داخل هذه المعتقلات لهذه الظاهرة حيث لا نجد أي أحد منهم يقدم الشكاوي أو الاحتجاج حول هذه القضية الخطيرة.

إن جزء كبير من الأسرى يعانون من أمراض مزمنة مثل الروماتيزم وآلام المفاصل والظهر والمعدة المزمنة والبواسير وأمراض الكلى، وكل ذلك نتاج استخدام البرد القارص كإحدى وسائل التعذيب لإجبار المناضلين على الاعتراف وتقديم الشهادات

رغم هذه الأساليب القاسية فإن نسبة الصمود في التحقيق بدأت ترتفع حيث نشأت لدى شعبنا ثقافة ووعي بالتحقيق وسبل مواجهته، لذا لا غرابة أن تعمد أجهزة الأمن الصهيونية إلى تكثيف الاعتقالات الإدارية للرد على حالات الصمود المشرفة والمتصاعدة.

 

  • أسير مقدسي يعتبر من أبرز قيادات الحركة الوطنية الأسيرة، وقيادات الجبهة الشعبية في سجون الاحتلال.