محمد الخطيب : أحلام مبتورة

محمد الخطيب : أحلام مبتورة

هذا المقال نُشر في مجلة الآداب

محمد الخطيب

عزيزي سعيد،

هل سأبدو سخيفًا لو سألتُكَ: كيف حالُك؟ وكيف حالُ الناس تحت الحصار؟

لا بأس. أعرف جوابَكَ المُعتاد: “داحلة!”

أكتبُ مُجدّدًا، بعد أن فرّقَنا الشتاتُ مجدّدًا، وشرّدتنا الهزائمُ مجدّدًا. وهل أقول: وشرّدَنا الحبُّ أيضًا؟

لا يهمّ. الآن، كلُّ ما أتمنّاه أن تصلَكَ رسالتي.

***

لكنْ كيف تراسلُني وأنا ما زلتُ بلا عنوان؟

أعِدُكَ بأن تحملَ رسالتي القادمة عنوانًا خاصًّا بي، مثل كلّ مواطني الدول المتحضِّرة: اسم المدينة، واسم الشارع، ورقم البيت.

البيت؟

أنا في خيمتي الآن!

كنتُ مشغولًا طوال الأيّام الماضية في البحث عن مُنظّمات الإغاثة الطبّيّة؛ فجُرحي القديم لم يلتئمْ بعد. والحياةُ على ساقٍ واحدة، وبأخرى مبتورةٍ، لا تُشْبه الحياةَ على ساقيْن، كما تعلم.

***

مذ وطئتُ أرضَ هذه الجزيرة، على نصفِ ساق، والكلُّ يعاملُني باعتباري “حالةً خاصّةً” تحتاج إلى الرعاية والدعم النفسيّ. لا أحد فكّر لحظةً في أن يسألني: “كيف وصلتَ إلى هنا؟” أو: “لماذا تسير على عكّاز؟” فالمهمّ، في رأي الجميع، صحّتي النفسيّة. وربّما وصف لي أحدُ الموظّفين في منظّمة “أطبّاء بلا حدود” مُهدّئاتٍ عصبيّةً تساعدُني على النوم.

أكتبُ إليكَ يا حبيبي من جزيرةٍ، نسكُن على أطرافها، نحن اللاجئين الجُدُد، تحت شوادرِ هيئةِ الأمم وألواحِ الصفيح (الزينكو). هنا، بالقرب منّا، بحرٌ ابتلع الفقراءَ القادمين من بلادِ الحرب.

أقولُ لك من عمق قلبٍ سحيق: ليتكَ تأتي هنا، وتقفُ بيننا، كي ترى بعينيْك السوداويْن كيف نغرس أقدامَنا في الطين، وكيف يصير المشيُ أحجيّةً والحركةُ سكونًا.

أمّا أنا، فيتعيّن عليّ القفزُ بين الخيام والمنظّماتِ ودائرةِ اللجوء وداخل هذه المطحنة اليوميّة.

ولكنّ هذا كلَّه لا يهمّ.

***

الآن أتعلّم المشيَ باستخدام كفّيّ. إيه والله! لقد أعطتْني متطوّعةٌ سويديّة، قبل عدّة أسابيع، عكّازيْن من الألمينيوم. وقفتْ أمام خيمتي وهي تقفز من سعادتها، وقالت:

– هديّة بسيطة، لعلّها تساعدك على التنقّل وقضاءِ حاجتك.

وحين وجدتْني صامتًا، تابعتْ:

– كلُّ ما عليك فعله الآن أن تتعلّمَ كيف تستخدم كفّيْك. أقنعْ نفسَكَ، منذ هذه اللحظة، بأنّك تمشي على يديْك، مثلَ طفلٍ يحبو ويكتشف المشيَ للمرّة الأولى.

وبالطبع لم أفعل.

لن أزحفَ ولن أحبو.

***

أعرف أنّك تحبّ الأطفال، وأعرفُ أنّكَ لا تراني إلّا طفلًا كبيرًا. لكنّ أطفالَنا الصغارَ يكبرون في هذا المستنقع وفي الوقت الضائع.

لا شيء في هذا المكان الهامشيّ يُبشِّرهم أو يمنحُهم الأملَ. حتى التجاعيدُ ترتسم على وجوههم المقدودةِ من الصخر، كأنّهم قادمون من زرعٍ جذورُه قديمةٌ ومتعبة.

يبدو أنّ كلَّ ما نفعله الآن هو أنّنا ندفنُ أحلامَنا الصغيرةَ العاديّة قبل ولادتها فوق أرضٍ غريبةٍ لا تَنْبت فيها الأحلام، بعد أن قطع الرصاصُ أطرافَنا على ذلك السلْك الحديديّ الشائك.

الأحلام هنا محاولةُ انتحار. والجراحُ لا تلتئم.

***

في هذا المخيّم اليونانيّ نساءٌ يذبلن من الذُّلّ.

جارتُنا فايزة، البدويّة، ماتت قبل يوميْن، بعد ان أنهكَها السرطانُ والطريقُ الطويلُ الممتدُّ من دير الزور إلى هذا المخيّم.

كانت حنونةً، وأمًّا لأربعة أطفال: ثلاث بنات، وصبيّ صغير اسمُه صابر.

عائلة صغيرة تنتمي إلى عشيرةٍ كبيرة، لكنّها تلاشت مع الحرب.

أخبرتني فايزة، قبل أن تأخذَها سيّارةُ الإسعاف في مشوارِها الأخير، عن ولادة صابر عند الحدود السوريّة-التركيّة. لا تذكر تاريخَ ميلاده، ولكنّها تعرف أنّه وُلد بعد موتِ أبيه بأسابيع، وتقول: “طلع منّي بطلوع الروح، طلع من عيوني، ومن بين الموت.”

مات أبو صابر بعد إصابته بشظيّةٍ من برميلٍ متفجّرٍ سقط من السماء، واستهدف مسارًا يسلكه المدنيّون الهاربون من جحيمِ الحرب مثلَ طوابير النمل.

أمّا فايزة، فقد ماتت في مستشفًى لا تعرف اسمَه، وفي مدينةٍ لا تعرف شوارعَها، وفي بلادٍ لا تعرف لغةَ أهلها.

وأمّا الاولاد، أو ما تبقّى من أبو صابر وفايزة ودير الزور، فقد أصدر المدّعي العامّ في العاصمة، أثينا، أمرًا قضائيًّا يوصي بحضانة الأطفال من قِبل “الشؤون الاجتماعيّة،” ونقلوهم إلى ملجأ قريبٍ من المخيّم.

يقول مَن عرف هذه البراميلَ المتفجّرة، يا سعيد، إنّها أداةُ قتلٍ زهيدةُ التكلفة، لكنّها شديدةُ الفتك، وتُحدث دمارًا شاملًا، ولا تحتاج إلى تقنيّة. إنّها من أدوات القتل البدائيّة، العشوائيّة، ما قبل التكنولوجيا. لكنها وصفةٌ سحريّةٌ رخيصةٌ للقتل.

***

أعرف أنّي أُثقِلُ عليك بالأخبار والقصصِ الحزينة، وربّما أُثقِلُ على نفسي أيضًا. وأعرف أنّ لديكَ الكثيرَ لتقوله. لكنْ لا بدَّ من قول أيّ شيء. لا بدَّ من صراخٍ أو انفجار.

ومع ذلك، فعندي لك ما يُفرح القلب:

بعد أن وصلنا إلى جزيرة ساموس في اليونان، اشتريتُ هاتفًا مسروقًا بثمنٍ زهيدٍ من شابٍّ يسكن المخيّمَ ذاتَه. ولكي يقْنعَني به، قال لي: “هذا التلفون شغلة مهمّة، سرقتُه من سائحٍ على الشطّ، الله أعلم أنّه يهودي، حلال زلال عليك!”

المهمّ، بعد أن اشتريتُ الهاتفَ وحمّلتُ تطبيقَ الواتساب، سمعتُ صوتَ أمّي. حاولتُ الاتصالَ بك، لكنّك لم تجب. حكيتُ مع أحمد، بعد أن أخذتُ رقمَه من أختي، وعرفتُ منها أنّه وصل إلى برلين منذ عام ويسكن مع صديقه الجديد، وهو شابٌّ سوريٌّ يعمل في المسرح. لا تعرف سعادتي؛ فأنا لم أسمعْ صوتَه منذ عاميْن ونصفِ العام، منذ ذلك اليوم الذي أصبنا فيه، أنت وأنا. لم نتكلّمْ كثيرًا، وكان الاتصالُ خاطفًا، وباردًا، مثل برلين.

الأمر الآخر هو أنّني أتعلّم اليونانيّةَ والإنجليزيّةَ ساعتين كلَّ يوم. التعليم إجباريّ هنا؛ وإنْ غبتُ من دون عذر، حُرِمتُ المساعداتِ والمعونات. اللغة حصارٌ من نوعٍ آخر، يا سعيد، وإعاقةٌ جديدةٌ قاسية: أن لا تفهمَ ماذا تسمع، أن تكون أخرسَ أمام الآخرين. يحدث هذا عندما نُقاد من أعناقنا إلى المجهول، عندما نُنتزع من جذورنا إلى أرضٍ غريبة. لذا أشعر، يا سعيد، وكأنّ عليّ الآن تعويضَ بعضِ خساراتي، وتدريبَ نفسي على لغةٍ جديدة، وأن أكونَ مثلَ جنديٍّ مطيعٍ لها. ربما تكون اللغةُ سلاحًا آخر في جعبتي الممزّقة.

لقد اكتشفتُ الكثير في هذا الطريقِ الجديد؛ وفهمتُ معنى قولهم “كلُّ لسانٍ إنسانٌ.”

***

سعيد،

كلّما تحسّستُ قدمي المبتورةَ، فاض الحقدُ في شراييني.

نعم أنا حاقد، وهذا مبرّرٌ آخرُ لوجودي.

***

يا سعيد،

أشعر بحاجةٍ ماسّةٍ إلى أن أرمي هذه العكّازات، وأن أفتحَ صدري للهواء، وأركضَ وأركضَ مثلَ ذئبٍ يعوي في براري الجليل، أو أطيرَ مثلَ يمامةٍ غزّاويّة.

***

هي الحربُ يا سعيد، يستهدفون أرحامَنا وأرواحَنا وألسنتَنا، وما تبقّى فينا من حضارةٍ وإنسانيّة. لكنّك وحدك، أنت، صامدٌ خلف ذلك السلك.

لقد سمعتُ في الأخبار أنّ الحصار هذه الأيّام يشتدّ على القطاع. حتى محاولاتُ إنقاذ أهل غزّة من وباء كورونا عجزتْ عن كسر هذا الحصار.

تذكّرتُ لقاءَنا آخر مرّة. كنتَ قادمًا من مدينة رفح، والتقيْنا في سوق الشجاعيّة. كان الصمتُ يلفّ مدينةَ غزّة. الأسواقُ والشوارعُ تشبه مربّعاتِ الكراتين الفارغة. مررنا في شارع عمر المختار، نتلمّس الجوعَ والحرمانَ في كتلٍ اسمنتيّةٍ موحشة. ومن هناك مشينا إلى موقع الملكة، نقطةِ التماسّ القريبةِ من شرق غزّة. كان يومًا غيرَ كلّ الأيّام التي مرّت بنا، وأكاد أقول: منذ ولادتي وبدايةِ الحصار.

كانت تلك المرّةَ الأولى التي ذهبنا فيها على أقدامنا إلى الحدود. كانت غزّة كلُّها تمشي على قدميْن. مخيّم جباليا يغلي، والغضبُ يشبه غيمةً رماديّةً كبيرة. دخانُ الكاوتشوك يدخل صدورَنا مثلَ زوبعةٍ سوداء.

قلتَ لي يومها: “يبدو أنّها محاولةٌ أخيرةٌ للنجاة؛ فالشعب انفجر. ولعتْ يا خويْ!”

وصلنا إلى الحدود. هناك، كان كلُّ شيء مختلفًا: رَفْعُ العلم ثمنُه طلقةٌ في الصدر، وحرقُ الدولاب يساوي رصاصةً في الركبة. ونحن هائجون بالآلاف، نفتح صدورَنا للموت وللحياة.

يقول الدكتور غسان أبو ستّة إنّ عددَ المصابين في ذلك اليوم كان يفوق عددَ الأسرّة في كلّ مستشفيات القطاع، ولم تكن ثمّة غرفةُ عمليّاتٍ واحدةٌ لا تعمل. كان الدكتور يحكي من “مركز العودة الطبّيّ” في مخيّم جباليا. قال إنّ الطواقم الطبّيّة على وشك الانهيار، وإنّ المواجهةَ على الحدود دامية، وإنّ الحشودَ مازالت تواصل الذهابَ إلى “السلك” ونقاطِ التماس حتى ساعات الليل.

ويكمل الطبيبُ، وصوتُه المحتقنُ يرتجف، “خلال أربع ساعات فقط أصيب أكثرُ من ثلاثة آلاف جريح، منهم أكثرُ من ألف وخمسمائة إصابةً مباشرةً بالرصاص الحيّ، وأكثرُ من خمسين شهيدًا!”

أمّا عن الحروق الناتجة من قنابل الفسفور، فيقول إنّها تُحرق الأنسجةَ، ولا تتوقّف النارُ عن نهشِ اللحم إلّا بعد استئصاله.

ويذكر د. غسان أنّ في الطب شيئًا اسمُه “القصور في النموّ،” ونراه في أطفال القطاع والمخيّمات، عندما يكون الوزنُ والطولُ أقلَّ من المعدّل العمريّ. وهذا يؤثّر في كافة أعضاء الجسم، ومنها المخّ.

***

نحن جرحى العودة، أهلُ الفاجعة والحروب المستمرّة. نحن مَن تحوّلتْ أجسادُنا إلى مادّةٍ رخيصةٍ لمختبرات الأسلحة. الحصار يخنقنا يا سعيد، ويمتدّ من “السلك” إلى دير الزور وهذا المخيّمِ اليونانيّ.

حروبٌ حقيقيّة، نخرج من تحت ركامها مثلَ الغبار الثقيل. نحاول هزيمةَ أعدائنا عبر صناعة أنفسنا وتغييرِ جلدِنا بعد كلّ حرب.

أمّا المسيرةُ الكبرى، فهي لم تبدأ في يومٍ واحد، ولا في ساعةٍ محدّدة. إنّها معركتُنا الدائمة منذ أن جاء الغرباءُ إلى بلادنا.

كلُّ ما نحاول صنعَه، بعد أن شارفت الأشياءُ على النهاية، هو تدريبُ أنفسِنا على تجميع أشلائنا وشتاتِنا كي نبدأ من جديد.

لقد تغيّر الهدف: من القتل الجماعيّ الى الإعاقةِ الجماعيّة. لا حاجة إلى المدفع أو الطيّارة. كلُّ ما تحتاجه آلةُ الاستعمار هو قنّاصٌ مدرَّب، إنسانٌ بلا قلب، يتفرّج على ملامح وجوهنا، ويتابعُ حركتَنا، ويقرِّرُ متى يُنهي كلَّ شيء.

والضحايا؟

حتى الآن 13 ألف جريح.

والسلاح الحديث؟

RIP! وهذه طلقة خاليةٌ من الرصاص، مصنوعةٌ من النحاس الصلب، تعمل مثلَ منشارٍ في أعضاء الجسم. وعند اختراق الجسد، تنقسم إلى ثماني أصابعَ حادّة، كلٌّ منها ينقسم إلى قنواتٍ، ويفتح جروحًا خاصّةً به في اتجاهاتٍ مختلفة. ببساطة، هي قنبلةٌ عنقوديّة تنفجر داخل جسم الإنسان.

***

كُن قويًّا يا سعيد؛ فأنا أقترب إليكَ أكثر. فقد وصلني للتوّ خبرٌ كنتُ أتحرّقُ شوقًا إليه: سوف أُنقلُ إلى بيتٍ مشتركٍ لـ”الحالات الخاصّة.” عنواني الجديد سيكون في جزيرة كريت، القريبةِ جدًّا إليك. أعدُكَ بأن أكتبَ إليكَ من هناك.

قال لي المترجمُ العراقيّ إنّ كريت كانت موطنَ الفلسطينيّين القدامى، وهي جزيرةُ العسل واللبن والتين والزيتون، وتنام مثلَ حوريّةٍ في بطن المتوسّط. تُطلّ على شواطئ ليبيا ومصر وفلسطين.

غير أنّ هذا كلَّه لا قيمةَ له حين لا يكون المكانُ خيارَكَ الطوعيّ.

***

أنت أملُنا الوحيد يا سعيد. هناك، تحت الحصار، وراء السلك، لا شك أنّ للحريّة طعمًا آخر.

هل حان الوقتُ كي نعودَ إليكَ ونقاومَ معك؟

يسألُكَ شريكُ خيمتي، القادمُ من مخيّم النيرب: “كيف حالُ المقاتلين في الأنفاق وعلى مشارف عسقلان؟ وهل لديهم ما يكفيهم من خبزٍ وسلاح؟”

متى نعود، ونَعْبر الجسرَ معًا، وتنبت لنا ساقان من جديد؟

اليونان 

محمد الخطيب منسق “شبكة صامدون” في اوروبا.