معاناة الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الصهيوني — ثائر أبو عياش

معاناة الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الصهيوني — ثائر أبو عياش

معاناة الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الصهيوني

ثائر أبو عياش

 

” لم أشعر بألم الدورة حينها، لأن الألم الذي كان يقتلني هو صراخ المحقق ذاته المحقق الذكر!، وقد تعبت من التحقيق، ومن الساعات الطويلة وأنا على الكرسي دون حراك، ولكن زميلاتي في السجن كن يتألمن ويصرخن عند قدوم الدورة”.

إن قراءة ما كتبته إحدى المعتقلات الفلسطينيات حول شعورها أثناء التحقيق في الأقبية الصهيونية، هي تجربة تمر بها الأسيرات والأسرى الفلسطينيين وتبقى تفاصيلها جزءً مِن ذاكرتهم: العزلة، الحرمان، الخواء، إنهاك الجسد والعقل. هذه المعاناة المشتركة للأسرى بشكل عام، إلا أن الأسيرات يواجهن واقعاً أعقد من ساعات 20 يومياً في أقبية التحقيق، المكان الذي يُمثل صراحةً البنية الاستعمارية الصهيونية وأدواتها القمعية، فالأسيرات في مواجهتهن الاضطهاد في التحقيق يجسدن معنى البطولة والقوة في الإرادة والصبر.

أثناء التحقيق، لا تتوقف مواجهة الأسيرات للسجان عند التعذيب الجسدي والنفسي، بل يتعداه لمواجهة أخرى تتمثل بحاجة الأسيرات للفوط الصحية “المصنوعة من البلاستيك لوقف نزيف الدم”، وهي الحاجة التي تستخدم كأداة ضغط عليهن أثناء التحقيق، إن هذا التفصيل يشكل أحد المواضيع المغلقة أثناء الإشارة إلى وضع الأسيرات في السجون بسبب طبيعة النظام الأبوي التي جعلت التعاطي معه يتم بطريقة مشفرة. إلا أن الاحتلال الصهيوني الذي لا يميز بين النوع الجندري أثناء عملية اعتقال الفلسطيني، استخدم الاختلاف البيولوجي بين الذكر والأنثى الذي يتم تشفيره، كأداة ضغط أثناء التحقيق، وذلك بتعامله مع الدورة الشهرية والآلام التي تمر بها الأسيرة وحاجتها للفوط الصحية فترتها كوسيلة للضغط عليها، فالدورة الشهرية التي تشكل قلق خارج التحقيق، تصبح قلق مضاعف داخل هذه الأقبية.

اعتقل الاحتلال الصهيوني منذ عام 1948 اعتقل الاحتلال ما يقارب 15000 فلسطينية بين راشدة وقاصرة، وكانت ذروة هذه الاعتقالات خلال الانتفاضة الأولى حيث اعتقل الاحتلال 3000 فلسطينية، أما في الانتفاضة الثانية وصل حجم الاعتقال أقل من انتفاضة الحجارة وكان عدد المعتقلات الفلسطينيات 900، ومنذ الانتفاضة الثانية حتى اليوم لم يتوقف العدو الصهيوني بين مد وجزر في اعتقال الفلسطينيات تحت تهم مختلفة.

تختلف حياة البلوغ عند كل من الذكر والأنثى، ففي هذا السن تمر الفتيات بمرحلة ” الدورة الشهرية”، التي تفرض أدوات صحية للنساء من أجل الحفاظ على النظافة الشخصية والصحة الجسدية. الفوط الصحية، التي تستخدم كأداة ضغط على الأسيرات الفلسطينيات إذ يتم حرمانهن من الحصول عليها، تحديداً أثناء فترة التحقيق. فالأسيرة ” ع.ع”  في حديثها عن تجربتها لذلك” كنت اقطع البطانية الخشنة، واستخدمها بدل من الفوط الصحية لمنع سيلان الدم على ملابسي الداخلية، وقد مكثت في غرفة التحقيق 40 يوماً، ولم احصل على الفوط الصحية، وقد باغتتني الدورة مرتين خلال فترة التحقيق”.

إن قيام الاحتلال الصهيوني بسلب حق الأسيرات في الحصول على الفوط الصحية هو جريمة توضح درجة قمع واضطهاد السجان الصهيوني للأسيرات الفلسطينيات داخل السجون، إذ يأتي استخدام هذا المنع، من أجل انتزاع الاعترافات وتشكيل ضغط نفسي على الأسيرة في التحقيق. ورغم أن توفير الفوط الصحية داخل الأسر هو حق للأسيرات وفق القانون الدولي للأمم المتحدة ” قواعد بانكوك” الذي ينص: على أنه ينبغي أن يتاح للنساء السجينات الحصول الفوري والمجاني على الفوط الصحية النسائية دون أن يشعرن بالحرج بسبب اضطرارهن إلى طلبها، وبصفة عامة يجب أن تُوفَّر للسجينات خدمات رعاية صحية تعادل على الأقل الخدمات المتوفرة في المجتمع المحلي. ولا يتوقف استخدام الفوط الصحية كأداة ضغط في مرحلة التحقيق فقط، بل يتبعه داخل السجن، إذ ترفض إدارة السجون توفير الفوط الصحية للأسيرات مما يدفع الأسيرة إلى شراءها على حسابها الشخصي، وهو أمر مرهق ويحتاج إلى مبلغ كبير[1].

بناءً على ذلك، فإنه منذ الاعتقال وحتى الإفراج تعاني المعتقلات من ويلات الدخول في الدورة الشهرية سواء في التحقيق أو في البوسطة أو داخل المحاكم، إن هذا الألم الذي تسببه ” الدورة الشهرية” داخل أقبية التحقيق يشبه ذاته لا يشبه شيء آخر. ففي تجربة إحدى المعتقلات التي تبلغ من العمر ١٥ عاماً:” كانت تجلس على كرسي المحكمة، وقد بدى عليها الخوف، وبدأت يداها ترجفان نتيجة نزول الدم فجأة أثناء جلوسها، وعندما وقفت وجد المحامي الموكل بالدفاع عنها ملابسها متسخة بالدماء.”  إن هذا الألم يبقى حبيس في ذاكرة المعتقلات بعد التحرر من السجون، وإن الكتابة عنه هي محاولة لعرض جزء من هذا الألم.

 

[1] شهادة الأسيرة أ.ج