المسار البديل: إسقاط سلطة أوسلو العميلة وبناء البديل الثّوري

المسار البديل: إسقاط سلطة أوسلو العميلة وبناء البديل الثّوري

المسار البديل: إسقاط سلطة أوسلو العميلة وبناء البديل الثّوري

الشرط الأساسي لإستعادة نهج التحرير والعودة

 

لقد حقّقت الجولة الأخيرة من الصّراع ضد العدوّ الصّهيوني وحلفائه وأذياله مجموعةً من المكاسب الاستراتيجية لشعبنا الفلسطيني المناضل الذي انتفض من جديد ضد محاولات تصفية قضيته وسجل انتصاراً تاريخياً أصاب القوى المعادية بالرعب، وحقّق التجسيد الحيّ لوحدة الشعب والقضية وتكامل نضالاته في القدس والضفة وقطاع غزّة وأرضنا المحتلة عام 1948 وعلى الحدود مع دول الطوق، كما في كافة مناطق الشتات. تلك كانت مكاسب عظيمة أظهرت للعالم كيف يمكن أن تنتقل هزيمة المشروع الصهيوني من حيز الإمكانية النظرية إلى حيز الامكانية الواقعية.

وتبعاً لذلك، سارع العدوّ إلى اتخاذ سلسلة من الخطوات تهدف إلى إعادة الأمور إلى ما قبل هبّة أيّار  وكسر الوحدة الصّماء التي نجح الشعب الفلسطيني في صناعتها. فعَمدَ العدوّ إلى تكثيف حملات الاعتقال والملاحقة والترهيب ضد أبناء شعبنا في الأرض المحتلة عام 1948، مواصلًا في الوقت نفسه عدوانَه على أهلنا في القدس بهدف تهجيرهم وفرض السيادة الصهيونية على شطري العاصمة الفلسطينية. كما حاول نهب المزيد من الأرض في الضّفة الغربية المحتلة، كما هو الحال في بلدة بيتا وجبل صبيح.

بالتوازي مع ذلك، اشتدّت وتيرة قمع جماهير شعبنا في الشّتات. فحاولت الحكومات الامبريالية الحليفة للكيان الصهيوني منع المظاهرات وترهيب المتظاهرين، على نحو ما فعل بلطجيةُ السلطة الفلسطينية أمام سفارة السلطة في بيروت، وكما فعلت الحكومة اليمينية المتصهينة في ألمانيا التي أصدر برلمانُها في آخر جلساته جملةً من القوانين العنصرية المعادية للنضال الفلسطيني والعربي والأممي. كما تكثّفت وتيرة التطبيع الرجعي العربي بطرق مختلفة، لعل أحدثها الهجوم الممنهج على اللاجئين الفلسطينيين وقمعهم والتضييق عليهم بهدف دفعهم إلى الهجرة. فضلاً عن التدخلات الفجة والمتواصلة من بعض الأنظمة العربية في الشأن الفلسطيني كالنظام الإماراتي والقطري والسعودي وغيرهم من قوى رجعية في المنطقة.

وبالتزامن مع كل ذلك عَمَد الكيان الصهيوني وسلطة أوسلو اللاوطنية واللافلسطينية إلى تنسيق عملية اغتيال المناضل الوطني الفلسطيني نزار بنات. وهو ما يؤشّر على تفاقم الأمور من مجرد تكميم الأفواه إلى التصفية الجسدية المباشرة والاغتيال السياسي العلني لأصحاب الرأي الناقد والموقف الوطني والكلمة الحرة. وهذا التنسيق هو في الواقع تفعيل لدور مكوّن قديم من مكوّنات معسكر الأعداء، طالما ساهم في الالتفاف على انتصارات الثورة الفلسطينية وسرقة إنجازاتها خدمةً لشرذمة من المنتفعين تجرّأتْ على انتحال صفة تمثيل الشعب الفلسطيني والادعاء أنّ هذا الشعب يقبل بالتنازل عن 78 % من أرض فلسطين ويعترف بشرعية وجود كيان العدوّ على شبر من أرضه. إنّ سلطة أوسلو العميلة هي أحد أخطر مكوّنات معسكر الأعداء، ولكنها الحلقة الأضعف في هذا المعسكر والطرف الذي ينبغي البدء بإسقاطه كمقدمة لإسقاط كامل أهداف معسكر الأطراف المعادية

إنّنا في “المسار الثوري البديل” ندعو بشكل عاجل كلَّ مكوّنات الصّفّ الوطني إلى عزل وإسقاط سلطة الخيانة والعار التي لم تترك جريمة في حق شعبنا إلا وارتكبتها: من إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني والاعتراف بكيان العدوّ، إلى التعاون معه في ملاحقة المقاومين والشرفاء وتسليمهم وسجنهم وتعذيبهم وتصفيتهم، مرورًا بسرقة ثروات الشعب، وتعميم الفساد، و تهميش أكثر من نصف الشعب في الشتات وفي أرضنا المحتلة عام 1948، إضافة إلى التفنن في أشكال التآمر والعدوان على أهلنا في غزّة والضّفة.

إنّ سلطة أوسلو العميلة تساند المشروع الاستعماري للعدو الصهيوني بشكل حاسم، وتشكّل رأس حربة الاحتلال ووسيلته الأنجع في ضمان إنجاح المشروع الصهيوني. فهي المسؤولة عن استفحال جرائم الاحتلال ليس فقط بسبب شراكتها الكاملة في القتل والتعذيب والاعتقال، ولا بسبب دورها الفعّال في منع عمليات المقاومة ووأدها في المهد وحسب، لكن أيضا بسبب جريمتها السياسية والتاريخية الكبرى – والأشدّ وطأة – والمتمثّلة في ضرب الوعي الثوري واستبدال ثقافة المقاومة والكفاح بثقافة الانبطاح والارتهان لإرادة العدوّ الصهيوني والقوى الامبريالية العالمية وأذيالها من الرجعيات العربية

آن الأوان لطيّ هذه الصفحة السيئة الذكر من تاريخ القضية وللانطلاق في بناء مسار ثوري بديل لكل هذا الخراب الذي تسبّبت فيه ولا تزال طغمةُ الخيانة والعمالة. ولقد دعت جماهيرُ شعبنا في كل مكان إلى رحيل هذه الطبقة السياسية وهتفت بصوت واحد : الشعب يريد إسقاط نظام أوسلو ! أي أن الشعب يريد تفكيك منظومة أوسلو وكل مشتقاتها وتبعاتها ويريد العودة إلى الخط الثوري المقاتل .. طريق التحرير والعودة.  إننا نعتبر حركة فتح وقيادتها هي المسؤولة الأولى عن هذه النتيجة، فهناك ارتباط عضوي بين حركة فتح والسلطة لا يمكن كسره، أسست هذه السلطة المشؤومة التي جاءت كنبتة سامة لتنزرع في الوطن، إثر اتفاق خياني عقدته قيادة الحركة مع الكيان الصهيوني في غرف العار والظلام.

إنّنا ندعو جماهير شعبنا المقاوم إلى عدم الانجرار خلف الأصوات التي تريد إنقاذ هذه السلطة الساقطة لا محالة، وإلى عدم التساوق مع من يمد لها طوق النجاة من الذين يهرولون إلى الاجتماعات العبثية والمسرحيات القميئة التي تحمل عناوين “المصالحة” و”الوحدة الوطنية” و”إصلاح منظمة التحرير”.  فالمصالحة لا تتم مع من ينسّق مع العدو، والوحدة لا تكون مع الفاسدين والسارقين، وإصلاح المنظمة يكون بإبعاد المجرمين والمطبعين ودمج الثوريين والمهمشين.

إنّنا نعلن اليوم أنّ هذا النهج الخياني والكارثي يجب أن يتوقف نهائيا كي يبدأ مسار بديل من العمل الثوري المقاوم. كما ندعو أبناء شعبنا في كل أماكن وجودهم  إلى استعادة مؤسساتهم ومكتسباتهم التي شيدتها أجيال بأسرها من المناضلات والمناضلين، قبل أن تغتصبها عصابةُ أوسلو وتقضي عليها، تاركة الملايين من جماهير شعبنا في العراء، مجرّٙدين من كل أنواع السلاح في مواجهة عدوّ صهيوني وامبريالي ورجعي يمتلك مختلف أدوات الهيمنة والسيطرة والعدوان.

إنّ السّفارات الفلسطينية التي تنتشر في العالم هي حقّ أصيل للاّجئين، نهبتْه مجموعةٌ من اللصوص، ولا بدّ اليوم من تحريرها باعتبارها أملاكًا عامةً للشعب الفلسطيني وجزءًا من ثرواته المصادٙرة؛ فهو أوْلى بها كي يستعيد دورها الطبيعي كمقرّات للعمل الثوري من أجل التحرير والعودة، لا كمزارع خاصة ودكاكين لطبقة أوسلو تمارس من خلالها إقصاءَ نصف شعبنا المهمّٙش في دول اللّجوء، وتواصل من خلالها التآمر ضد القضية الوطنية والعمل الحثيث على تصفيتها. إن هذه السّفارات التي يُقتل فيها المقاومون الفلسطينيون عبر التنسيق بين موظفيها وأجهزة الاستخبارات المعادية – كما حصل في بلغاريا عند اغتيال الشهيد عمر النايف – هي اليوم امتداد للمقرّات الأمنية لسلطة الخيانة والعار التي تعمل تحت إمرة جيش الاحتلال وضبّاط المخابرات الغربية ولذلك لابدّ من تحويل هذه المنشآت – في الداخل والخارج – إلى مراكز شعبية ووطنية تعمل تحت إمرة الشعب الفلسطيني وتتفانى في تحقيق أهدافه العليا.  

إنّنا ندعو أبناء شعبنا في كلّ مكان إلى تنظيم الصفوف في مواجهة الهجمة المسعورة الراهنة التي تشنّها عليه مختلف مكوّنات معسكر العدوّ. إنّ مواجهة هذه القوى يقتضي اليوم تشكيل لجان حماية شعبية تتصدّى لكلّ من تُسوّل له نفسه الاعتداء على أهلنا أو المساس بالحقوق الثابتة للشعب العربي الفلسطيني. إنّ لجان الحماية الشعبية يجب ان تكون الأنوية الأساسية والألوية المقاتلة لحركة شعبية جماهيرية تعتمد على نفسها من أجل مواصلة بناء المسار الثوري البديل الذي يكون بحقّ البديل الثوري والشعبي عن مسار مدريد-أوسلو التصفوي سيء الذِّكر. إنّ هذا المسار الفلسطيني والعربي والأممي – إذ يضع نصب عينيه أهداف تحرير كامل فلسطين من النهر إلى البحر وعودة اللاجئين إلى ديارهم وأراضيهم – لابدّ أن يتأسّس على أنقاض سلطة الخيانة والعار التي آن أوان إسقاطها. هذه ضرورة منطقية من أجل تكوين جبهة وطنية عريضة تقوم على مبدأ مقاومة العدو وإعداد ما يلزم لإلحاق الهزيمة النهائية بالمشروع الصهيوني وتأخذ على عاتقها مهامّ بناء الهياكل والمؤسسات التي تحتاجها الثورةُ الفلسطينية القادمة.

إنّنا نحثّ كافّة التيارات والقوى الوطنية والشعبية المكافحة على التعاون واجتراح أشكال جديدة لذلك التوجّه التنظيمي الذي أثبت جدارته وفعاليته خلال الانتفاضة الشعبية الكبرى (1987- 1993) وغيرها من المحطّات النضالية، وندعو إلى الاستفادة من كل التجارب السابقة التي خاضتها المقاومة الشعبية الفلسطينية، بالتوازي مع الاسترشاد بالتجارب الثورية العالمية المشابهة. إنّ أولوية تشكيل لجان حماية شعبية في الأرض المحتلة في المناطق المحتلة عام 1948 يوزايها إنشاء لجان مماثلة في الشّتات تضطلع بأدوار متنوعة تتحدّد حسب طبيعة ساحات المواجهة مع العدوّ. ويبقى تأسيس لجان الحماية في قرى الضّفة الغربية المحتلة وقراها وبلداتها مهمة ذات أهمية استثنائية ليس فقط بسبب الدّور التآمري الغادر لأجهزة السلطة، ولا بسبب تغوّل المستعمرين الصهاينة وعصاباتهم الاجرامية التي يحميها الجيش الإسرائيلي فحسب، ولكن أيضا بسبب الضرورة الملحّة لتثبيت جذور العمل الثوري المنظم في عمق بيئته الشعبية الحاضنة.

وختاماً، إن بؤس اتفاقات أوسلو وملاحقها والواقع الفلسطيني الصعب الذي صنعته، وخيانية قيادتها التي استمرأت الذل والهوان، والتي تعيش اليوم أسوأ أيامها وفي حالة عزلة وطنية وشعبية كاملة، تستوجب تغيير هذا الواقع الصعب الذي يعيشه شعبنا، عبر الثورة على هذا الواقع وإسقاط هذه السلطة العميلة، ويمكن أن يُشكّل ذلك رافعةً للنهوض بقضيتنا وبمقاومة شعبنا. خاصة وأن تصاعد جرائم السلطة في الآونة الأخيرة التي كان آخرها جريمة قتل المناضل نزار بنات يستدعي إسقاطها كضرورة وطنية ملحة، وهذا استحقاق وطني ومهمة تقع على جميع أبناء وبنات شعبنا في الوطن والشتات.

عاشت وحدة شعبنا الفلسطيني .. وعاش نضاله من أجل التحرير والعودة

المجد للشهداء والنصر حليف شعبنا المناضل