قسّام البرغوثي — البُرج (قصة قصيرة)

قسّام البرغوثي — البُرج (قصة قصيرة)

قسّام البرغوثي

البُرج

(قصة قصيرة) 

حين بدأت قشرة الاسمنت تتساقط قِطعاً كبيرة وتتفتت على الدرج المُلتف من أعلى لأسفل فُتاتاً صغيراً كانت المُجندة الصهيونية تلعن حَظّها. وما جعل المشهد أكثر غرابة أنها كانت تلعن انسانيتها في أسفل الباب المغلق.

على غير عادته يستيقظ عامر مُبكراً ، يغتسل، يلقي تحية الصباح على والدته، تستغرب نشاطه المفاجئ هذا اليوم، تضع الفطور أمامه، يتناوله بسرعة لا يكاد معها يمضغ لقماته. يأخذ حقيبته التي لم تشاهدها أمه يوماً بهذا الحجم، وقبل أن تطرح عليه تساؤلاتها كان قد خلّف لها وداعاً سريعاً تداخلَ مع صرّير انغلاق الباب وراءه.

انعطف تجاه بيت صالح فوجده بانتظاره يجلس على الشُرفة ويشرب الشاي، على الرغم من العجلة التي تلبست عامر إلا أنه لم يقاوم سطوة الشاي الذي تُعده أم صالح. تناولا الشاي معا، وَدّعا أم صالح وذهبا، وخلفهما دعاء تمتمت به أم صالح وهي تحمل صينية الشاي إلى الداخل.

بَدَد نعاس المجندة هديل حمامة حطّت على نافذة البرج العسكري، تحمل بمنقارها قشة، وضعتها على مجرى النافذة وطارت، ثم عادت من جديد تحمل قشة ثانية وثالثة ورابعة وخامسة..

***

– يللا يمّا مِش تتأخري

– يللا، شوي. أجابت مريم بعد أن قطع نداء أمها حبل أفكارها. لم يعد هناك أي وقت تتلكأ فيه على النافذة، منتظرة أن يطل عامر حتى تسبقه وتسير أمامه أو بجانبه حتى المدرسة.

يئست من قدومه فخرجت، أيقنت أنه ذهب من طريق آخر كما يفعل عادة، وإما تغيّب عن المدرسة لسبب ما، وفي الطريق لم تره.

– ولك يللا يا صالح ، الجميع بيكون يستنى. قال عامر وهو يستعجل صالح الذي وقف ليقطف حبات لوز عن شجرة بجانب الطريق.

قفز صالح بجانب عامر وأطلق ضحكة صغيرة وأتبعها ساخراً: الجميع وَلا مريم؟

قالها وقفز خطوة إللى الخلف تفادياً لضربة من عامر الذي ابتسم بدوره دون أن يجيب.

– صحيح بدنا نشتري دخان . معك مصاري؟

يدخل عامر يده في جيبه ويخرجها.

– آ، خُذ. يضحك صالح بعد أن تناول ما يكفي لشراء سيجارتين، ويسأل عامر: وين المصاري اللي كانوا معك امبارح؟

– عبيت فيهم بنزين.

– عشان هيك ماشي بسرعة هسة؟

ضحكا ضحكة عفوية طويلة أضفت جمالا على مشهد الربيع بأزهاره المُتفتحة. يشتري صالح نصف علبة سجائر ، دَخَنا في الطريق. صالح كعادته سرق الولاعة دون أن ينتبه عامر.

يصل عامر ورفيقه جموع الطلبة الذين احتشدوا لإحياء “يوم الأسير الفلسطيني” بمظاهرة أمام النقطة العسكرية المقامة على مدخل الطريق، تجوب المظاهرة حارات القرية وتمر بمدرسة البنات ثم تعود لمدرسة الذكور وتذهب صوب مدخل البلدة.

حسمت مريم ترددها مع العديد من الطالبات والتحقت بالمظاهرة، بعد أن بحثت طويلا بين جموع المشاركين عن عامر، وقد عرفته من بين جميع الملثمين، فسارت قريبة منه تبادله النظرات التي أربكته وجعلت هتافاته متلعثمة وغير منتظمة، ما أثار ضحك صالح الذي عرف بدوره  ما الذي أربك صديقه. وخزه ضاحكا لينقذه من الحالة التي تلبسته والتي عجز اللثام الملفوف بإتقان عن إخفائها.

– لازم نُسبق المسيرة نجيب الكاوتشوك. قال صالح

– يللا روح. قالها عامر وهو يحدق في عيني مريم الصافيتين البراقتين، فيما أخذت تقترب شيئا فشيئا،وهو يسير خلف رفيقه، يشقان طريقهما إلى جانب الحشد فيسبقانه الى محل الإطارات الموجود في مدخل القرية. أصبح قريباً جداً منها. شعر بأن ثانية أخرى من النظر في عينيها الجميلتين ستجعله يتسمّر مكانه، بل يتجمد كتمثال رجل ثلج، لكن الدماء التي تدفقت في وجهه كانت ستذيبه حتماً . شعر بحرارة جعلته يفكر في إماطة لثامه. بَحث عن مخرج فوجد صالح قد سبقه عدة خطوات فتبعه.

– دير بالك على حالك، قالتها مريم فأضرمت فيه خجلا ، لكنه لم يكن واثقاً إن كانت قد سمعته أم لا:

– وانت كمان. دون أن يشعر وجد نفسه يركض خلف رفيقه ونظراتها شقت جسده كالرصاص، أو هكذا تخيّل. أخبر صالح بما حصل، تمازحا قليلا قبل أن يصلا محل الإطارات. وجد عامر خشبة طويلة، أدخلها في طوق عدد من الإطارات وحملاها تجاه الطريق المؤدي إلى البرج العسكري لإشعالها وسد الطريق بها.

تلقت المجندة أوامر ضابطها المسؤول والتي تقضي ببقائها لقمع المظاهرة، شتمت الفلسطينيين، شتمت حظها ، أخرجت هاتفها واعتذرت لصديقتها عن حضور الحفل ، غضبت صديقتها التي لم تقدر الموقف وغضبت هي واشتعلت حقدا ، يتسلم جندي مكانها على البرج وتهبط هي حيث الجنود، تأخذ موقعها خلف مكعب اسمنتي، تتبادل الحديث مع الجنود وتراقب المظاهرة بحقد ودت معه لو أنها تستطيع حصدهم جميعا ببندقيتها الآلية . تقترب المظاهرة شيئا فشيئا، أحد الجنود كان ميلها في وحدة من وحدات الجيش، يعرفها جيدا.هو من الجنود المتدينين الذين يسخرون من المرأة ودورها في المجتمع، وهي كانت تكرهه كونها يسارية تؤمن بالمرأة وحقها في دخول جميع مناحي الحياة السياسية والاجتماعية وحتى العسكرية منها.

بعد عدة تعليقات ساخرة منها ومن قدراتها والتي أثارت ضحك باقي الجنود، استشاطت غضبا. لكن الموقف الذي هي فيه الآن يحتم عليها أن تصب جام غضبها فقط على الاتجاه الآخر: المظاهرة.

تقترب شيئا فشيئا يتقدمها عامر وصالح يحملان الإطارات بعرض الشارع، خلفهما العديد من الطلبة والطالبات الذين يقفون حيثما تسمح لهم جرأتهم.

بين عامر وأمجد وعدد من الطلبة معهما وبين المظاهرة مسافة بعيدة.

– حُطوا الكاوتشوك عندكم. قال أحد الزملاء لعامر، ودون أن يقف عامر نظر للخلف ورأى بُعد المظاهرة وأيقن أنها أبعد من المطلوب فقال:

– إن وضعناها هنا ستكون بعيدة ولن يتقدم أحد.

وَصلا لمسافة قريبة، مسافة تستفز الجنود، بل وترعبهم، مسافة حجر!

أخذ الجنود وضعيات لإطلاق النار، تقدمهم الجندي المتدين يحمل قاذفاً لقنابل الغاز، أطلق قنابله دفعة واحدة فلم تصل حيث أراد، اصطدمت بالإطارات التي اصطفت على عرض الشارع بعدة طبقات، نفشت ملء ما فيها من غاز وذهبت كغيمةٍ بطيئة نحو الجنود.

مع سماع صوت القنابل، كان عامر ورفيقه يتلقفان الإطارات المتدحرجة من الخلف ويضعانها فوق الإطارات الأخرى تمهيداً لإشعالها.

يهرب الجنود من سحابة الغاز، فتسخر المجندة من قدرات زميلها المتدين لحين انحسار الغاز ، أصبح الغاز خلفهم، ركض الجنود لمواقعهم والحجارة تتساقط بين أقدامهم، تفادت المجندة حجراً فكادت أن تسقط، ومن حسن حظها كان زميلها أمامها ولم يلحظ ذلك.

يفتح عامر علب البنزين يأخذ واحدة ويعطي أخرى لصالح، يسكب البنزين فوق الإطارات بينما يلف عامر قطعة قماش على عصا ليصنع شعلة يلقيها على الإطارات المليئة بالبنزين، يفتش عامر عن ولاعته فلا يجدها، يقترب من صالح الذي أنهى بدوره سكب البنزين ويطلب الولاعة، يخرجها صالح ويقف أمام عامر ليشعل له شعلته ويشعلها.

ينتبه الجنود لحركتهما، يخاف الجنود، يبلغهم الضابط بوجوب استخدام الرصاص الحي ضد المشتبهين، انها فرصة ذهبية للمجندة لتثبت قدراتها.

– اثنان برصاصة واحدة، قالت المجندةُ متحديةً.

قَبِل الجنود تحديها، تسندُ بندقيتها على كيس من الرمل تحدق في منظار بندقيتها. النصف العلوي من جسديهما فقط ما يظهر لها، تظهر شعلة النار، تطير في الهواء وقبل أن تصل هدفها تُطلِقُ المجندةُ حقدَها.

يسقطان على الأرض، صالح فوق عامر، يختفيان عن نظر الجنود دون حركة، تشتعل النار في الإطارات.

–  صالح، صالح…قوم يا صالح.. يقولها عامر وهو يشعر بارتعاشة جسد رفيقه، يتحسس صدره الدافئ ويشعر بتدفق الدم تحت القميص الصوفي، يبحث أكثر عن مصدر الدم، يصل لمكان الرصاصة بإصبعه، يرتعش جسد صالح ويطلق آخر أنفاسه، يصل الدم إلى صدر عامر ووجهه وكتفيه دون أن تصل قطرة للأرض، تخور قوى عامر، ويفقد وعيه وترتفع سحابات الدخان من الاطارات.

تلاقفته أيدي المشاركين، بنصف عين مفتوحة وقميص ملطخ بالدم ودون أي حركة، تخضب الدماء أيدي من يحملونه، ودت مريم لو أنها تستطيع الاقتراب أكثر، لو أنها تطير فوق الجميع كعصفورة وتمطره بالدموع.

لم يمت عامر، وطارت من الفرح مريم، ولكنها تألمت لألم عامر لفقد رفيقه، وبكت أم صالح، وناحت على فلذة كبدها.

أما عامر، قلبت حياته رأساً على عقب، وقف على مسار جديد لحياته، جعله هذا المسار شارد الذهن دائماً، لا يكلم أحداً، لا يأكل كما يجب، لكنه في النهاية حسم خياره كرجل.

نجحت محاولات عائلته وأصدقائه في إخراجه من تلك الحالة، والعودة إلى المدرسة وممارسة حياته بشكل طبيعي، ونسيان ما حصل، لكن رفيقه يحضر دائماً بكل تفاصيله، بمزاحه، بحيويته وعفويته، بكل شيء، حتى بدمِهْ، حتى مريم الآن تذكره بصالح.

تناول فطوره على مهل، ودع والدته وذهب، أشعل سيجارته التي لم يعد يهمه إن كان يراه أحد وراح يدخن، فكر في أن يتجه إلى بيت مريم التي افتقدته لأكثر من أسبوع، لكنه عدل عن فكرته وأكمل طريقه، حين اقترب من بيت صالح، خطواته غدت بطيئة ثقيلة، تمنى لو كان حلماً وأن صالح الآن ينتظره على الشرفة فيذهب معه. يزداد ثقل خطواته، يغمض عينيه ويقف بجانب الباب، لم يعتد أن يرى الشرفة دون صالح، لم يكن راغباً في الخروج من حياته من حلم إلى واقع. خطف منه صالح برصاصة اخترقت قفصه الصدري واستقرت في قلبه غير قادرة على اختراق ما فيه لتصل إلى عامر، شيء ما في قلبه أوقفها.

طالت وقفته بجانب المدخل، لمحته أم صالح ونادته من النافذة، تجمد في مكانه، ودَّ لو يهرب، لو يستطيع الهروب، لو يموت أو تبتلعه الأرض، تمالك نفسه وصعد الدرج، فتحت أم صالح الباب، تبتسم ابتسامة غريبة، توحي بأن شيئا لم يحدث، لكن من يرى عينيها وجفنيها المتورمين وآثار حروق الدمع على وجهها ووجنتيها يدرك أن موتاً ما حلَّ، موتاً ما أخذ من روحها قطعة أو جزءاً عزيزاً.

تحمل في يدها كأسين، وفي الأخرى إبريقاً ودعته لشرب الشاي، سكبت الشاي في الكأسين، بكت دون أن يلاحظ، لكنه أحس بذلك. دخلت للبيت دون أن تنطق بحرف، تراقبه من خلف النافذة بصمت ودموع، تألق الدمع في عينيه، حدق في الشاي مطولاً، تناول كأساً وحدق فيه، رائحته زكيةٌ، قربها منه أكثر، أشعة الشمس أحالتها للون الأحمر لون الدم، سقطت دمعته الأولى في الكأس.

– يلا يما مش تتأخروا، اشربوا الشاي بسرعة.

سمع صوتها وتلفت حوله فلم يجد صالح. جسده يرتجف، يسقط الكأس من يده، يهرب بسرعة جعلته يرتطم في حافة المدخل وسقط على الأرض.في الطريق إلى المدرسة لم تتوقف دموعه. أكثر ما كان يؤلمه هو أكثر ما يؤلم الإنسان، العجز، أن يكون عاجزاً أمام حرقة قلب أم على ولدها.

المجندة تراقب الحمامة بصمت وكانت الحمامة فد وضعت بيضها وترقد عليه، الآن يأتي ذكر الحمام قريباً من الأنثى، يهدل بصوته فخوراً وينفش ريش رقبته، حاولت المجندة أن تفهم ما يقول فلم تستطع، وحاولت أن توائمَ لَحنَهُ مع كلماتٍ من لغتها العبرية فلم تجد، على عكس الناس في القرية، يعرفون هذا الطير منذ مئات وربما آلاف السنين، ومنذ عرفوه وهم يقولونه ما لم يقل، لكن كل ما يقولونه يطابق لحنهُ تماماً، أحدهم يقول أن الحمامة تقول كذا، فيقول الآخر بل كذا، يذهبان لعجوز هرم ويسألانه فيقول: لا هذا ولا ذاك، إنما تقول كذا. أما المجندةُ أو حتى أجدادها لم يعرفوا هذا الطير الذي يعيش على هذه الأرض قبل أن يأتوا إليها.

تعجزُ عن ترجمة ما يقول، فتصور مقطعاً قصيراً لزوجِ الحمام كما تفعل دائماً في متابعةِ هذا العرض وتنشره على مواقع التواصل، فتشعر بإنسانيتها من التعليقات التي يكتبها من يرى الفيديو.

على مدخل المدرسة، كانت لافتة لصالح، قطعت حبالها من جهة فتدلت ووجهها للحائط، وعلى أسوار المدرسة ملصقات تمزقت من المطر، وسقط بعضها في ساحة المدرسة، تتطاير مع الريح بشكل دائري في وسط الساحة وتعود لتتكوم في الزاوية.

داخل الصف، جلس عامر على مقعده، بجانبه مقعد فارغ، مقعد صالح، وضع رأسه بين كفيه، غير آبه بالضجة التي يحدثها زملاؤه، ويفكر فقط في المقعد الفارغ، في كل الخطوات التي مشاها اليوم، كان صالح يمشيها معه، أوشك على البكاء، المعلم في طريقه للصف، يعود الطلبة لمقاعدهم، يتصنعون الهدوء، ينهض عامر، يلتقي مع المعلم ويتجاوزه ثم يغادر متجاهلا نداء المعلم عليه.

تسوقه قدماه لتلة صغيرة قبالة البرج العسكري الجاثم في وسط السهل، يضع حقيبته على جذع شجرة الخروب الضخمة، يستلقي ويمد قدميه اتجاه البرج، يخرج ولاعةً ثم يعيدها ويخرج ولاعةً أخرى، ولاعةَ صالح، يشعل سيجارته ويدخن، لم يعد عامر يعرف للمدرسة طريقاً، يستيقظ في الصباح فيستيقظ وجعه، يقصد التلةَ، في طريقه يرى مريم، يتبادلان التحيةَ، لا يبادلها ابتسامة نقية صافيةً تشق طريقها من وسط القهر والغم، كان يسعده أن يبدأ يومه بها بعينيها وابتسامتها، هكذا صارت حالته كل يوم، ذات صباح، كان في طريقه لتلته استوقفته لافتة من الكرتون معلقة على جذع شجرة مشمش، وقد ثبتت بمسمار دُق في وسطها، كان مكتوباً على اللافتة تحذيرٌ من التسمم لمن يريد قطف ثمار المشمش، لم يكن يفكر في الكلمات قط، كل ما كان يشغل تفكيره هو المسمار، المسمار فقط، أما الكلمات فقد كان يجددها صاحب الشجرة كلما بهتت ألوانها بفعل الشمس والندى، كل يوم كان يمر بها، تتغير الكلمات وألوانها والمسمار باق في مكانه، وفكرَ: هل يمكن أن تنتزع الكلمات مسماراً؟ ربما بعض الكلمات… فكر أكثر فلم يجد، توصل إلى استنتاج مفاده أن كل كلمات الأرض لن تستطيع نزع مسمار دُق في وسط ورقة مهما كان لونها أو نوعها، وما ينزع هذا المسمار اليد فقط، وربما تكون يداً عابثة لكنها أقدر من آلاف الكلمات، أعجبه الاستنتاج وشعر بزهو انتصاره على الكلمات.

من التلة يحدق في البرج العسكري الجاثم وسط حقول القمح في منتصف السهل، تخيل السهل كورقةٍ والبرج كالمسمار في وسطها وأيقن أن الكلمات لن تنتزعه ولن تقتلعه من مكانه.

على البرج كبرت فراخ الحمام، وتضاعف حجم العش، تراقب المجندةُ إطعام الفراخ وتتأمل شكلها وهي تكبر، يدهشها صفيرها طلباً للطعام، تعود الحمامة لإطعام فراخها والمجندةُ كعادتها تصور.

مع النسمات الربيعية الرطبة، غلب على عامر النعاس، نام دون أن يشعر، حين استيقظ كانت العتمة قد لفت القرية بعباءتها، حدق بصمت،  أدهشه الهدوء الرهيب، أشعل سيجارةً وعاد أدراجه لم يعرف الوقت بالتحديد لكنه عرف أن الساعة متأخرةٌ من إغلاقِ بقالةٍ ما، الشوارع مقفرة، موجات من الضباب تسبح مع أضواء أعمدة الشارع، في البيت كان الجو مختلفاً كأن سحب الضباب أخذت معها كل برودة ورطوبة البيت، يكره الحَر كثيراً، ينزع قميصه ويضعه في الغسّالة ثم يأكل طعاماً حضّرته له أمه التي لم تنم حتى عاد، يرد على رسائل مريم التي ملت انتظاره ونامت، أو هكذا اعتقد، جلس أمام النافذة يستقبل بجسده النسمات الرطبة، صمت رهيب قطعه صوت محرك قرب البقالة المجاورة، ربما الصوت كان لمحرك ثلاجة البقالة، راح يصغي بسمعه أكثر، صوت تصفير، إذن ليست الثلاجات، فتح خزانة ملابسه فوجد كل ما فيها قد وضعته أمه داخل أكياس لتبديل ملابسه الشتوية بالصيفية، تناول القميص الصوفي المعلق، القميص المشبع بالدم، ارتداه سريعاً، كان يابساً، خيوطه كانت أشبه بأعواد جافة حرقتها الشمس، تكاد تدمي جسده، يفكر في القميص وفي الدم، يسترجع ذكرياته ويسير.

– عامر استنى.

التفت عامر وراءه فوجد غسان، زميله في الصف قبل أن يلتحق بسوق العمل والورشات، تبادلا الحديث سريعا وصعدا سلسلة حجرية على جانب الطريق، كانت تفوح من غسان رائحة البنزين، وصوت الزجاجات التي تتضارب في حقيبته دلت على كل شيء، تناول كل منهما زجاجتين وراحا يقتربان شيئاً فشيئاً، من حقل إلى آخر، عامر الآن يحمل الحقيبةَ وبداخلها زجاجات أخرى، شعر بخشونة القميص أكثر، يقتربان أكثر، قطرات الندى كتمت صوت العشب المتكسر، يصعدا لحافة جرف مُطل على الشارع، الدوريات العسكرية تحتهما بعدة أمتار، حددا الهدف، قذف عامر بزجاجتيه، لم يخطئ هدفهُ، يرتبك الجنود من صوت الزجاج المنكسر، يشعل غسان زجاجته، تضيء المكان حولها وتسقط مثل نيزك على هدفها، الزجاجة الرابعة أخطأت الهدف، انطلقا كسهم بين حقول الزيتون التي تدلت أغصانها فكانت تداعب وجهيهما تارةً وتجلدها تارة أخرى، صوت الرصاص يحثهما على الركض أسرع، كان الرصاص يطلق في كل الاتجاهات على أي هدف محتمل، بعد ركض طويل وصل كل منهما لمنزله.

ينتظر غسان يوم عمل شاق وطويل، فخلد للنوم، أما عامر فقد كان جالساً أمام منزله، نزع الحقيبة فشعر ببرودة العرق حين ضربه الهواء، تحسس قميصه فوجدهُ ليناً ورطباً، لم يعد يابساً بفعل العرق. استلقى على بطانيةٍ بعد أن قلبها على جانبها الذي لم يصله الندى، وراح يفكر حتى شقشق الفجر وزقزقت العصافير وهدل الحمام.

أيقن عامر لحظتها أن وطأة الدم تخف حين تمتزج بالعرق، بالعرق في سبيل الدم وفي السبيل الذي سال فيه الدم ولا يجف إلا حين ننساه ونتجاهله فتصبح وطأته لا تحتمل.

تتدرب الفراخ على الطيران، ترفرف بأجنحتها، تتابعها المجندة بزهو وفرح، تفكر في مغادرة الفراخ، وهل ستعود لتعشش مجدداً أم لا، هكذا كانت تتساءل، تكتب نصاً، عن تعلقها بهذه الفراخ، عن الحمام الذي لم يجد أمانهُ إلا علا نافذة البرج، تنشر النص مرفقاً بصورةٍ على صفحتها، يستثير النص صحفياً صهيونياً من أقاربها، يأخذ كل موادها المصورة، ويعالجها وينشرها كقصة صحفيةٍ، ينشرها دون أن تنتهي، بنهاية مفتوحة، فلم يرد أن يستبق أي حدث، فربما لم يكن واثقاً بالنهاية كثقته في البداية.

عَلّق عامر قميصه مجدداً دون أن يفكر في غسله، كانت مريم قد استيقظت، تحادثا، تصارحا بالحب بعد ترددهما، غدا كل شيء لهما جميلاً، تبسمت الحياة مجدداً، شعر أنهُ قام بواجبه فنال حقهُ، مريمُ كانت بالنسبة له مثل حقاً مقدساً.

في اليوم الأربعين لاستشهاد رفيقه، خرج قبل ساعاتٍ من التأبين، جهز وغسان زجاجاتهم الحارقة، يملأ الحب قلبيهما، ويملأ الحقد زجاجاتهم، ساعة التأبين قد حلت.

– علينا أن نذهب الآن.

قال عامر بعد أن أغلق حقيبته.

– إلى أين؟

– إلى هناك. وأشار بيده للبرج العسكري.

– هكذا يعرفون بغيابنا.

– وما رأيك؟

– نثبت حضورنا في التأبين ثم نذهب.

وصلا لحفل التأبين، سلم عامر على أم صالح، قبلته دون أن تبكي، غالبت دموعها، احتضنته وربتت على كتفيه.

– هذا من ريحة الغالي. قالت له.

حاول أن يواري دمعة فلم يستطع، قبل رأسها وجلس، بدأت الكلمات الصادقة والمصطنعة، لم تكن أصدق الدموع، من الدم، مع تعالي الكلمات الرنانة انسلَّ دون أن يلاحظه أحد، غسان فقط تبعه كما هو متفق. كانت الكلمات المتعالية تستفزهُ، وحينها كان قد حسم موقفه تجاه الكلمات يوم رأى ذلك المسمار.

في الطريق للبرج العسكري عبر حقول القمح، صوت التأبين لا يزال صدى كلماته يصل لمسامعهما، عادت لقميص عامر ليونته مع العرق، عشرات الأمتار من القمح تفصلهما عن البرج، حركتهما بطيئة جداً، صوت تكسُّر سنابل القمح التي لم يصلها الندى بعد يبطئ من حركتهما، هما الآن على بعد أمتار فقط، يتقدمان خطوةً، يعلو الصوت أكثر فيرتميان بين السنابل، تطل المجندة لمصدر الصوت فلا تستطيع الرؤية جيداً بفعل ضوء الهاتف الذي كانت منشغلةً بهِ، تعود وتجلس على الأريكة، تسمع الصوت مرةً أخرى، تحدث نفسها: ربما حيوانات برّية، تحدق أكثر فتراهما تحتها مباشرة، تستل بندقيتها، يشعل عامر الزجاجة، تفتح المجندة النافذة قليلاً، فلا تجد الوضعية المناسبة لإطلاق النار، تحاول فتحها أكثر، ولكنَّ أغصان عش الحمام تمنع النافذة من الانزلاق فلم تستطع فتحها، تطير الفراخ، تشتم المجندة العش والفراخ.

تصيب الزجاجة الحارقة حافة النافذة، تشتعل يد المجندة، تسقط على الأرض، وقبل أن تطفئ يدها أصابت زجاجة ثانيةٌ هدفها بدقة عالية، يشتعل البرج من الداخل، تهرب المجندة متدحرجة على الدرج الملتف، الأريكةُ، حقيبتها، صناديق قنابل الغاز والصوت اشتعلت أيضاً.

وصلت للأسفل، الباب مغلق، المفتاح في الأعلى، سحابات الدخان تنزل من الأعلى كشلالٍ من الغاز، أصوات القنابلِ، قطع الإسمنت، تفقد الرؤية، تتحسس شق الباب، تحاول أن تأخذ نفساً من تحتهِ فتعُبُّ تُراباً، تفقد أنفاسها، تنشُد أي هواء فلا تجد، يمر شريط حياتها بسرعة أمامها، تلعن الحمامة وعشها، تلعن إنسانيتها، تلفظ آخر أنفاسها وتموت.

على التلة المقابلة يجلس عامر وغسان، يدخنان سيجارة النصر، بولاعة صالح يشعلانها، يستمتعان بالمنظرِ، أهالي القرية على سطوح منازلهم ينظرون للبرج الذي أصبح كمنارة يشبه مدخنة لِمصنع قديم.

في الصباح، كان عامر نائماً وغسان في عمله، أما الحمامةُ فانتهت مهمتُها، وبدأت ببناء عش جديد على شجرة زيتون معمرة.

انتهت

21/08/2020

سجن نفحة الصحراوي