
يصادف 6 تشرين الأول/أكتوبر 2026 الذكرى التاسعة والثلاثين لانطلاقة حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وجناحها العسكري، سرايا القدس. ولم يكن التاريخ الذي تحييه الحركة في عام 1987 هو اليوم الذي اجتمع فيه للمرة الأولى أولئك الذين أسسوا هذه الحركة الثورية المقاومة، بل كان تاريخ معركة الشجاعية، حين واجه الأسرى الفلسطينيون الذين حرروا أنفسهم من سجن غزة المركزي قوات الاحتلال مباشرة في غزة، في محطة مفصلية من مسيرة الكفاح المسلح التي طبعت تاريخ الحركة. وجاء ذلك بعد أيام من استشهاد مصباح الصوري، قائد عملية التحرر الجريئة من السجن في أيار/مايو 1987، وذلك في 1 تشرين الأول/أكتوبر 1987. وكانت هذه الأحداث جميعاً شرارات للانتفاضة الشعبية الكبرى، انتفاضة الحجارة، التي اندلعت بكامل قوتها بعد شهرين، في كانون الأول/ديسمبر 1987.
وُلد مصباح الصوري في مخيم المغازي للاجئين عام 1954، لعائلة من اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجّروا من أسدود خلال نكبة 1947-1948 والاستعمار الصهيوني لفلسطين. وعاش في ظل الفقر الشديد وظروف السكن السيئة، كما عايش عدوان عام 1967 واحتلال غزة، بما في ذلك قصف مخيمه للاجئين، فانضم إلى المقاومة الفلسطينية منذ سن مبكرة. وبصفته عضواً في جبهة التحرير الفلسطينية، ألقى قنبلة على قوة لجيش الاحتلال في جباليا عندما كان في السادسة عشرة من عمره؛ فأصيب بالرصاص في عدة أنحاء من جسده، واعتُقل وحُكم عليه بالسجن المؤبد.
ووُضع في العزل الانفرادي لمدة شهرين بعد اكتشاف محاولته الأخيرة لتحرير نفسه من الأسر. وفي عام 1985، كان واحداً من 1150 أسيراً فلسطينياً تحرروا في صفقة التبادل الكبرى التي أجرتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، والمعروفة غالباً باسم «صفقة جبريل»، نسبة إلى قائد الجبهة أحمد جبريل. ومن بين المحررين الآخرين في هذه الصفقة المفصلية، التي ساهمت أيضاً في تمهيد الطريق للانتفاضة، كوزو أوكاموتو من الجيش الأحمر الياباني؛ والشيخ أحمد ياسين، الذي أصبح لاحقاً القائد الروحي لحركة حماس؛ وزياد النخالة، الذي أصبح لاحقاً الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.
وخلال فترة اعتقاله، شارك الصوري في إضراب الأسرى عن الطعام في سجن كفار يونا، الذي استمر أسبوعاً إلى أن قمعت قوات الاحتلال الأسرى ونقلتهم إلى سجن بئر السبع. وهناك، تعرّف إلى البدايات الأولى لتشكّل ما أصبح لاحقاً حركة الجهاد الإسلامي وإلى أفكار فتحي الشقاقي، مؤسس الحركة. وعندما تحرر، عاد إلى المقاومة الفلسطينية وإلى هذه الحركة الناشئة، وعمل على تأسيس مجموعات لمقاومة الاحتلال في مناطق مختلفة من غزة.
وفي عام 1986، اعتقلته قوات الاحتلال مجدداً، وحُكم عليه بالسجن لمدة 30 عاماً. وكان قد حاول خلال فترات اعتقاله السابقة الهروب من السجن عدة مرات، إلا أنه هذه المرة وضع، إلى جانب عدد من رفاقه الأسرى، خطة لتحرير نفسه. وفي 17 أيار/مايو 1987، حرر مصباح الصوري وسامي الشيخ خليل ومحمد الجمل وعماد الصفطاوي وخالد صالح وصالح اشتيوي أنفسهم من سجن غزة المركزي. وتشير التقارير إلى أن الأسرى أعادوا تشكيل أدوات المطبخ لتحويلها إلى مفكات، وتمكنوا من تهريب منشار صغير داخل رغيف خبز. وربط الأسرى أغطية الأسرّة بعضها ببعض لصنع حبل استخدموه للنزول عن سور السجن وتأمين حريتهم.
![]()
وبعد أيام فقط من تحررهم، عاد الصوري إلى المقاومة إلى جانب رفاقه الذين حرروا أنفسهم من الأسر. وفي حين أُعيد اعتقال اشتيوي بعد سبعة أيام، تمكن عماد الصفطاوي وخالد صالح من مغادرة غزة. وأُعيد اعتقال عماد الصفطاوي لاحقاً عام 2000 بعد دخوله غزة مجدداً، قبل أن يتحرر في كانون الأول/ديسمبر 2018.
وفي إطار عمله المقاوم بعد عملية التحرر من السجن، شارك الصوري ورفاقه المحررون في قتل غاليلي غروسي، وهو ضابط استخبارات كان يعمل لصالح الاحتلال في غزة، وذلك خلال محاولة لأسره بهدف مبادلته بأسرى فلسطينيين، كما شاركوا في اغتيال رون تال، قائد الشرطة العسكرية لجيش الاحتلال الإسرائيلي في غزة. وخلال هذه الفترة، بقي الصوري متخفياً، وعمل على تأسيس خلايا مقاومة في مختلف أنحاء المنطقة وتطوير الحركة الجديدة.

وفي 1 تشرين الأول/أكتوبر، نصبت قوات الاحتلال كميناً لمصباح الصوري ورفيقيه محمد عليان ومحمد أبو عبيد، اللذين استشهدا في المكان. إلا أن الاحتلال لم يعلن استشهاد الصوري إلا بعد يومين؛ ويرى معظم المراقبين الفلسطينيين أنه لم يُقتل في مكان الكمين، بل استشهد تحت التعذيب بسبب رفضه الكشف عن مكان رفاقه.
وفي 6 تشرين الأول/أكتوبر 1987، توجه سامي الشيخ خليل ومحمد الجمل (وهما من رفاق الصوري في عملية التحرر من سجن غزة)، إلى جانب أحمد حلس وزهدي قريقة، لمواجهة قاعدة عسكرية للاحتلال، وخلال ذلك رصدهم عملاء للاستخبارات. وفي المعركة التي أعقبت ذلك، استشهد المقاومون الأربعة، وقُتل أحد عناصر الاستخبارات على أيدي المقاتلين الفلسطينيين.
وبعد استشهاده، هدمت قوات الاحتلال منزل عائلة الصوري، ولاحقت أفراد عائلته ومنعتهم من المشاركة في جنازته. وفي الأسبوع التالي، بدأت التظاهرات في الجامعة الإسلامية في غزة وانتشرت إلى العديد من المدن ومخيمات اللاجئين، فيما أدت الإضرابات العامة والتظاهرات إلى شلّ غزة والضفة الغربية لأكثر من أسبوع.
وخلال هذه المرحلة المفصلية، كان الشقاقي نفسه أسيراً في سجون الاحتلال. وكان قد اعتُقل لمدة 11 شهراً عام 1983، ثم أُعيد اعتقاله عام 1986 في غزة، حيث كان يعمل طبيباً للأطفال إلى جانب كونه مفكراً ثورياً يشارك في تطوير حركة إسلامية جديدة، فحكم عليه الاحتلال بالسجن لمدة أربع سنوات. وبعد اندلاع الانتفاضة، وفي 1 آب/أغسطس 1988، أبعده الاحتلال قسراً عن فلسطين، ورحّله أولاً إلى لبنان قبل أن ينتقل بعد ذلك إلى سوريا.

ارتبط تاريخ حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين ارتباطاً وثيقاً بقضية الأسرى؛ فمثل سائر فصائل المقاومة الفلسطينية والحركة الأسيرة الفلسطينية الأوسع، أمضى كوادرها ومقاتلوها سنوات طويلة وأحكاماً بالسجن المؤبد في سجون الاحتلال، فيما طورت الحركة هياكلها التنظيمية الخاصة داخل السجون لتطوير كوادرها وتحويل زنازين المحتل إلى مدارس ثورية. وإضافة إلى ذلك، دفعت رؤيتها المناهضة للإمبريالية ليس فقط نحو تبني نهج أممي، بل أيضاً نحو بناء تحالف عميق مع جميع قوى المقاومة في المنطقة، من لبنان إلى اليمن والعراق وإيران، وهو ما أدى دوراً مهماً في تطوير الجانب الفلسطيني من جبهة المقاومة.
نشأت عطاف عليان، إحدى أبرز القيادات النسائية في الحركة، في بيت لحم ضمن عائلة فلسطينية هُجّرت من الرملة خلال النكبة. ومنذ سن مبكرة، سعت إلى الانضمام إلى المقاومة الفلسطينية، وتلقت التدريب على يد حركة فتح في معسكراتها في بيروت عام 1980. وبعد عودتها إلى فلسطين وانقطاع اتصالها بمجموعتها الأصلية، انضمت إلى تنظيم جديد أصبح لاحقاً جزءاً من حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين التي كانت آنذاك في طور التشكّل.

اعتُقلت عام 1987 وحُكم عليها بالسجن لمدة 15 عاماً في سجون الاحتلال بتهمة التخطيط لعملية عسكرية لم تُنفّذ. وخلال أسرها، خاضت عدة إضرابات عن الطعام، وأمضت أربع سنوات كاملة في العزل، وانتزعت عودتها إلى أقسام الأسرى العامة بعد إضراب عن الطعام استمر 34 يوماً. كما عُرفت عليان بدعوتها، من منطلق إسلامي، إلى المشاركة المباشرة للمرأة في الكفاح المسلح. وقد اعتُقلت عدة مرات في السنوات التي أعقبت تحررها عام 1997، وخاضت خلال تلك الفترات عدة إضرابات فردية وجماعية عن الطعام إلى جانب رفاقها ورفيقاتها من الأسرى الفلسطينيين.
وأصبحت مرشدة لأجيال لاحقة من الأسرى الفلسطينيين الذين حملوا هذا التقليد في خوض الإضرابات عن الطعام خلف القضبان، سواء من خلال النضال الجماعي لتغيير ظروف الأسر، أو من خلال الإضرابات الفردية لإنهاء الاعتقال الإداري، أي السجن من دون تهمة أو محاكمة. ومن عطاف عليان ومنى قعدان إلى الشهيد الشيخ خضر عدنان وهناء شلبي وبلال ذياب وجعفر عز الدين وخليل عواودة، أدت حركة الجهاد الإسلامي دوراً متميزاً في التطور الجماعي للحركة الأسيرة الفلسطينية، اتسم بالشجاعة والمواجهة المبدئية والصمود.

وكانت نضالات الأسرى هذه محورية أيضاً في تطور عمل شبكة صامدون؛ فقد انطلقت شبكتنا بالتزامن تقريباً مع إضراب الشيخ خضر عدنان عن الطعام عام 2011، وتحركت تباعاً خلال كل إضراب من إضراباته، وصولاً إلى استشهاده في 2 أيار/مايو 2023. وقد أيقظ دوره الرمزي شعوباً في مختلف أنحاء العالم على النضال المتواصل للأسرى الفلسطينيين، وعلى الاستخدام التعسفي لـ«الاعتقال الإداري» من جانب الاحتلال الصهيوني، وعلى الضرورة الأممية للتنظيم والوقوف إلى جانب الأسرى الذين يواجهون المحتل بأجسادهم وحياتهم.
وعقب استشهاده، أطلق المقاتلون الفلسطينيون في غزة من حركة الجهاد الإسلامي عشرات الصواريخ نحو الداخل الفلسطيني المحتل، تعبيراً عن الغضب والرد على اغتيال قائد فلسطيني كبير. وبعد أسبوع، في 9 أيار/مايو، واصل النظام الصهيوني حملة الاغتيالات بسلسلة من الاعتداءات التي استهدفت قادة حركة الجهاد الإسلامي، ومن بينهم طارق عز الدين، وهو أسير محرر في صفقة وفاء الأحرار وشقيق جعفر عز الدين، أحد المضربين عن الطعام الذي اعتُقل لمشاركته في فعاليات للمطالبة بالإفراج عن عدنان عام 2012؛ إلى جانب جهاد غنام، وخالد البهتيني، وإياد الحسني، وعلي غالي، وأحمد أبو دقة، وجميعهم من المجاهدين والمقاومين البارزين الذين أدوا دوراً قيادياً في تطوير المقاومة في غزة وكذلك في الضفة الغربية. وتطورت هذه المواجهة إلى معركة «ثأر الأحرار»، التي واجهت فيها المقاومة في غزة المحتل وأسلحته الأمريكية والأوروبية الصنع لأكثر من أسبوع، ضمن مسار تصاعدي للنضال قاد إلى طوفان الأقصى.

كما حظيت قصة مصباح الصوري ورفاقه وتحررهم الذاتي في تاريخ حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين باهتمام متجدد منذ عملية نفق الحرية عام 2021، حين حرر ستة أسرى فلسطينيين — محمود العارضة، ومحمد العارضة، وأيهم كممجي، ويعقوب قادري، ومناضل نفيعات، وزكريا الزبيدي، والخمسة الأوائل منهم من مناضلي حركة الجهاد الإسلامي — أنفسهم من سجن جلبوع شديد الحراسة. ورغم إعادة اعتقالهم، جسدت قصة تحررهم مرة أخرى إصرار الفلسطينيين على المقاومة وتحرير أنفسهم رغم المستويات العالية من القمع الجسدي والمراقبة التكنولوجية التي يواجهونها. واليوم، تحرر محمود العارضة ومحمد العارضة وأيهم كممجي وزكريا الزبيدي في صفقة طوفان الأحرار إلى جانب آلاف الأسرى الفلسطينيين، بفضل شجاعة المقاومة الفلسطينية في غزة، بقيادة كتائب الشهيد عز الدين القسام، وبالمشاركة الكاملة لسرايا القدس.
تتوجه شبكة صامدون للدفاع عن الأسرى الفلسطينيين بالتحية إلى حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين في الذكرى التاسعة والثلاثين لانطلاقتها، وإلى أسراها الشجعان خلف قضبان الاحتلال، الذين يواصلون النضال من أجل التحرير في مواجهة التعذيب والعزل وسياسة الاغتيال والإعدام. ويظل أسرى الحركة ومجاهدوها قوة دافعة في حركة التحرر الوطني، متمسكين بالوحدة والعودة وتحرير فلسطين، من النهر إلى البحر.
«نلتقي لنؤكد أن الشعب الفلسطيني لا يزال ثابتاً وصامداً في مواجهة العدوان الصهيوني الأمريكي، ومتمسكاً بقوة بحقوقه التاريخية في فلسطين.» — زياد النخالة، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، 6 تشرين الأول/أكتوبر 2026
اكتشاف المزيد من شبكة صامدون للدّفاع عن الأسرى
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



